أبي حيان الأندلسي
371
البحر المحيط في التفسير
اللّه ، وأبعد من أضمر له فعلا مطاوعا تقديره : فاهتدوا بإذنه ، وهو قول أبي علي ، إذ لا حاجة لهذا الإضمار . وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في هذه الجملة وما قبلها دليل على أن هدى العبد إنما يكون من اللّه لمن يشاء له الهداية ، ورد على المعتزلة في زعمهم أنه يستقل بهدى نفسه ، وتكرّر اسم اللّه في قوله : واللّه ، جاء على الطريقة الفصحى التي هي استقلال كل جملة ، وذلك أولى من أن يفتقر بالإضمار إلى ما قبلها من مفسر ذلك المضمر ، وقد تقدّم لذلك نظائر . وفي قوله : من يشاء ، إشعار ، بل دلالة ، على أن هدايته تعالى منشؤها الإرادة فقط ، لا وصف ذاتي في الذي يهديه يستحق به الهداية ، بل ذلك مفدوق بإرادته تعالى فقط لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ « 1 » . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصاب من الجهد وشدّة الخوف والبرد وأنواع الأذى ، كما قال تعالى : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ « 2 » قاله قتادة ، والسدي . أو في حرب أحد ، قتل فيها جماعة من المسلمين ، وجرت شدائد حتى قال عبد اللّه بن أبي وأصحابه : إلى متى تقتلون أنفسكم ، وتهلكون أموالكم ؟ لو كان محمد نبيا لما سلط عليكم القتل والأسر ، فقالوا : لا جرم من قتل منا دخل الجنة . فقال : إلى متى تسألون أنفسكم بالباطل ؟ أو : في أوّل ما هاجروا إلى المدينة ، دخلوها بلا مال ، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، رضي اللّه تعالى عنهم ، فأظهرت اليهود العداوة ، وأسرّ قوم النفاق . قاله عطاء . قيل : ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه قال : يهدي من يشاء ، والمراد إلى الحق الذي يفضي اتباعه إلى الجنة ، فبين أن ذلك لا يتم إلّا باحتمال الشدائد والتكليف ، أو : لما بين أنه هداهم ، بين أنه بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق ، فكذا أنتم ، أصحاب محمد ، لا تستحقون الفضيلة في الدين إلّا بتحمل هذه المحن . و : أم ، هنا منقطعة مقدرة ببل والهمزة فتتضمن أضرابا ، وهو انتقال من كلام إلى
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 23 / 21 . ( 2 ) سورة الأحزاب : 33 / 10 .